ADVERTISEMENT

أخبار دوليّة

هل يحق للحكومة إلزام الفلاحين بتوريد القمح؟ – عماد الدين حسين

ADVERTISEMENT

عماد الدين حسين


نشر فى :
الأربعاء 23 مارس 2022 – 8:50 م
| آخر تحديث :
الأربعاء 23 مارس 2022 – 8:50 م

سؤال يشغل بال غالبية مزارعى ومنتجى القمح فى مصر هذه الأيام وهو: هل من حق الحكومة أن تحصل على نسبة معينة من القمح المحلى هذا العام، أم أن ذلك يعتبر ظلما للفلاحين؟!
لكن ولكى تكون الإجابة صحيحة، فلا بد من العودة قليلا إلى السياق العام للقضية.
قبل دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا فى ٢٤ فبراير الماضى، كانت الحكومة قد أعلنت أنها رفعت أسعار توريد القمح من الفلاحين إلى ٨٢٠ جنيها للأردب لكى يكون مقاربا لسعره عالميا.
الحكومة لم تكن تلزم الفلاحين طوال السنوات الماضية بتوريد كميات محددة من القمح المحلى، بل كانت تعتمد على إغراء السعر مقارنة بسعره فى السوق المحلية. فى الأوقات العادية كانت الحكومة تستهدف الحصول على ٣٫٥ مليون طن قمح من السوق المحلية من إجمالى نحو ٩ ملايين طن يتم انتاجها من 3.6 مليون فدان لكنها أعلنت أنها تستهدف هذا العام الحصول على ٦ ملايين طن بزيادة ٧٠٪؜ عن العام الماضى. وبزيادة ٨٪ عن الأسعار المعلنة فى نوفمبر الماضى، مما سيكلف الحكومة نحو ٣٥ مليار جنيه بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، وهو مبلغ يساوى ضعف ما أنفقته الحكومة على شراء القمح المحلى فى العام الماضى، طبقا لنشرة انتربرايز الاقتصادية التى كتبت تقريرا وافيا عن الموضوع يوم الأحد الماضى.
نعلم أن مصر هى أكبر مستورد للقمح فى العالم حيث تستورد نحو ١٣ مليون طن قمح إضافة لما تزرعه محليا، ولأن ٨٠٪ من وارداتها تأتى من روسيا وأوكرانيا، فقد كان طبيعيا أن يكون هناك شعور بالخطر بسبب الحرب وبطء سلاسل الإمدادات مما أدى إلى زيادة سعر القمح وشحنه ونقله وتأمينه عالميا.
الحكومة تقول إن لديها احتياطيا من القمح المستورد يكفى لنحو أربعة أشهر، وأن القمح المحلى الذى سيبدأ توريده بعد أيام قد يرفع رصيد الاحتياطى حتى نهاية العام.
ومن أجل التأمين أكثر وخوفا من أى أزمات فإن الدكتور على مصيحلى وزير التموين أعلن يوم السبت الماضى إلزام مزارعى ومنتجى القمح بتوريد ١٢ أردبا عالى الجودة من كل فدان، علما بأن إنتاجية الفدان حاليا تتراوح بين ١٨ ــ ٢٠ أردبا، وقررت الحكومة زيادة حافز التوريد إلى ٦٥ جنيها لكل أردب، ومنع المزارعين من بيع الجزء المتبقى من محاصيلهم لمشترين آخرين أو نقل الحبوب من دون ترخيص من الوزارة.
أحد الحوافز التى قدمتها الوزارة للمزارعين إضافة للحافز النقدى، صرف السماد المدعم لموسم الزراعة الصيفى لمن يورد ٩٠٪ على الأقل من محصول القمح لديه، أما من يخالف القرار الوزارى فهناك عقوبة بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وغرامة تصل لألف جنيه، طبقا للقانون رقم ٤٥ لعام ١٩٤٥ الخاص بشئون التموين.
بعد هذه الإجراءات فإن البائعين والمشترين والوسطاء سوف يتقاسمون المسئولية عن أية مخالفات، وكذلك مصادرة أى قمح يتم تداوله بطريقة غير مشروعة.
بعض الفلاحين طالب بأن يصل سعر توريد الأردب إلى الألف جنيه، والحكومة تقول إنها زادت السعر بنسبة ٨٪ عما أعلنته قبل الأزمة وهو يساوى حجم الزيادة بعد الحرب، وأنها سوف تتحمل ٣٥ مليار جنيه فرق سعر، إضافة إلى أكثر من ٧٠ مليار جنيه لدعم رغيف الخبز المدعم.
من وجهة نظر الحكومة فإن هناك ظروفا طارئة تتمثل فى الحرب الأوكرانية وبالتالى وجب اتخاذ كل الإجراءات لضمان توفير السلعة الاستراتيجية الأهم فى مصر.
وللموضوعية فهناك وجهة نظر لا يمكن دحضها فى هذا الصدد. فالعديد من الدول الرأسمالية الكبرى لجأت إلى إجراءات استثنائية فى أوقات الأزمات، ورأينا ذلك أخيرا مع بداية جائحة كورونا قبل عامين حينما غيرت بعض الحكومات الغربية خطوط إنتاج مصانع قطاع خاص، لتنتج مواد كمامات وأجهزة التنفس الصناعى وغيرها، ووقتها لم يتحدث أحد عن التأميم أو التدخل فى عمل القطاع الخاص، لأن المنفعة العامة فى أوقات الأزمات الكبرى تتقدم على كل ما عداها.
أتضامن مع كل ما يرفع من شأن الفلاح المصرى، خصوصا الفلاحين الصغار، وكتبت فى الشهور الأخيرة العديد من المقالات عن ضرورة النهوض بالزراعة وبالفلاح ودعمه بكل الطرق كسبيل أساسى للخروج من معظم أزماتنا، وبالتالى أتمنى أن يساعد الفلاحون الدولة بكل ما يستطيعون فى أزمة القمح، على أن تقدم لهم الحكومة السعر العادل الذى يتناسب مع جهدهم ومع الأسعار العالمية أيضا، فدعم الفلاح المصرى مقدم على دعم الفلاح الروسى أو الأوكرانى أو أى مزارع أجنبى آخر.