ADVERTISEMENT

أخبار دوليّة

كيف تفاعل علماء الدين السعوديون الشيعة مع حوار ولي العهد؟

ADVERTISEMENT

كيف تفاعل علماء الدين السعوديون الشيعة مع حوار ولي العهد؟

“من كمالِ التزامك لوطنك أن تكون مخلصاً ووفياً لهذه الأرض التي عشت فيها وللوطن الذي احتضنك؛ لأن الأرض وطن يعيش معك قضيتك ورسالتك، فيتم التعاطي معه كعنوان قائم بذاته، لا يحتمل الجدل في مسألة الدفاع عنه أمام كلِّ طامع. إنها رؤية السعودية 2030″، كتب عبر حسابه في منصة “تويتر”، عالم الدين السعودي الشيخ حسين علي المصطفى، مرفقاً صورة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، مع المنشور الذي غرد به، بُعيد نشر حوار مجلة “ذا أتلانتيك” مع ولي العهد السعودي في 3 مارس الجاري.

تغريدة الشيخ المصطفى تعليقاً على حوار الأمير محمد بن سلمان

المواطنة أولاً!

موقف الشيخ المصطفى، الذي احتفى فيه بالأفكار التي طرحها الأمير محمد بن سلمان في اللقاء الصحافي، يأتي انسجاماً مع رؤية كوّنها المصطفى عبر سنوات من القراءة والتبصر في التجارب المتتالية، وأساسُ هذه النظرة الإيمان باستقرار الدولة، وأهمية صون السلم الأهلي، وتعزيز المواطنة، ونبذ الخطابات العنصرية والمذهبية.

الشيخ حسين علي المصطفى، وفي 4 مارس الجاري، أعاد التأكيد على أن “المواطنة القانونية هي أساس علاقة الإنسان بنظام الدولة، بغض النظر عن الخصوصيات لكل فرد. ولذا فإن التلاعب بهذه الخصوصيات، يحول ولاء المواطن من ولائه للوطن إلى ولائه للطائفة والقبيلة؛ وهو ما ينسف معنى المواطنة ويقتلها في الصميم. فالدين للفرد، والقانون للدولة”، وفق ما نشره حسابه الشخصي بمنصة “تويتر”.

الشيخ حسين علي المصطفى

الشيخ حسين علي المصطفى

هذه المواقف التي تعزز “روح المواطنة” وتجعلها مقدمة على الولاءات الفرعية، تروم الحد من تأثير الخطابات المؤدلجة الراديكالية، أو تلك المسيسة العابرة للحدود؛ حيث إن المصطفى من علماء الدين الذين يؤمنون بـ”مدنية الدولة”، وبأنه لا يصح أن تكون هنالك ولاءات سياسية خارجية بحجة التشابه المذهبي أو التطابق العقدي أو الرابط الحزبي، كما تروج لذلك أدبيات جماعات الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي.

إن أهمية ما يسعى الشيخ حسين علي المصطفى لتكريسه والتنظير له معرفياً يوماً بعد آخر، هو تصحيح العلاقة بين عالم الدين والسياسة، بحيث تكون علاقة ليست قائمة على النفعية، أو استخدام الدين لأهداف سياسية أو العكس؛ وإنما جعل أساس تلك العلاقة هي “العقد المدني”، الذي يحتكم لـ”القانون” و”سيادة الدولة”، وأن دور عالم الدين يأتي متجاوراً مع دور المثقف والفيلسوف والمواطن الذي يروم الإصلاح والتنوير، دون أن يكون له هالة قدسية أو معصومية تميزه عن سواه.

تدبر الرؤية!

من على منبر “جامع الإمام الحسين”، بمحافظة الأحساء، تحدث السيد محمد رضا السلمان، في خطبة بعنوان “من الرؤية إلى قانون الأحوال الشخصية.. نقلة وتجديد”، مطالباً الناس بقراءة تفاصيل رؤية المملكة 2030 والتمعن فيها، واصفاً حوار الأمير محمد بن سلمان مع مجلة “ذا أتلانتيك”، بأنه “مقابلة في غاية الروعة والجودة”، مشدداً على أهمية “قراءتها والتدبر فيها”.

السيد محمد رضا السلمان

السيد محمد رضا السلمان

السلمان في ذات الخطبة، اعتبر “قانون الأحوال الشخصية” الذي تم إقراره مؤخراً في السعودية، بأنه “قفزة نوعية”، مضيفاً “حضور الرؤية وحضور القرار، وسرعة التنفيذ، تدل على أننا في حالة انتقال من عالم مغلق إلى عالم مفتوح، وسيد هذه الرؤية هو ولي العهد”.

في ذات الخطبة، كرر السيد السلمان مطالبته المستمعين له بقراءة تفاصيل “رؤية المملكة 2030″، معاتباً إياهم على عدم تفحصها، وفي ذلك تحفيز منه لعموم الناس على أن يكونوا في صلب التغيير، لا مجرد متفرجين على الهامش!

تعزيز التسامح!

الشيخ حسن الصفار، من جهته، وأثناء خطبة الجمعة بـ”مسجد الرسالة”، في محافظة القطيف، في 11 مارس الجاري، أشاد بمقابلة الأمير محمد بن سلمان، مع مجلة “ذا أتلانتيك”، قائلاً “إن هذا الخطاب وهذه المواقف هي مصدر فخر واعتزاز لأبناء الوطن، بل لأبناء الأمة”، داعياً “المواطنين للتلاحم مع قيادة الوطن، لإنجاح هذه المسيرة الرائدة على طريق التسامح الديني”.

الصفار، نشر أيضاً مقالة في صحيفة “الشرق الأوسط”، في 15 مارس الجاري، بعنوان “تعزيز التسامح الديني”، طالب فيها “الخطباء والدعاة والمثقفين من السنة والشيعة أن يتجاوزوا الانشغال بالجدل المذهبي العقيم، والتعبئة الطائفية، وأن ينشغلوا ببث الخطاب الوحدوي التنموي، الذي يدفع أبناءنا للطموح العلمي والتميّز العملي، والكمال الأخلاقي، والخدمة لمجتمعهم ووطنهم”، معتبراً أنه “لا مكان في السعودية الجديدة للممارسات الطائفية، والتفرقة العنصرية، والتشكيك في أديان الناس وولاءاتهم”.

الشيخ حسن الصفار

الشيخ حسن الصفار

دعمُ التحديث!

هذه النماذج لثلاثة مواقف داعمة لسياسات المواطنة والأمن والتنمية والتحديث في المملكة، من علماء دين سعوديين شيعة، كل واحد منهم له آراءٌ مستقلة، بل قد تتباين وجهات النظر وطرائق العمل فيما بينهم، إلا أن المصطفى والسلمان والصفار، اتفقوا على أهمية ترسيخ القيم والأفكار التي طرحها الأمير محمد بن سلمان في حواره، واعتبروها جميعهم لبناتٍ أساسية لدولة قوية يشترك في تنميتها جميع السعوديين بمختلف مذاهبهم ومناطقهم وأعراقهم.

صحيح أن المجتمع السعودي الشيعي اليوم أكثر تحرراً من خطابات علماء الدين، وأكثر استقلالية ونقدانية، وهنالك نخبٌ مدنية تقوم بأدوار وطنية وتنويرية مهمة، تعيد من خلالها الاعتبار لأفكار مثل: الحرية الفردية، فصل الدين عن السياسية، حرية التعبير، التفكير النقداني، الحق في السؤال والاختلاف؛ وذلك من أجل دفع السعوديين بمختلف تنوعاتهم إلى الاندماج وعدم الانكفاء على الذات.. وهي أدوار غاية في الأهمية، ويجب أن تعزز وتستمر، إلا أنه في ذات الوقت، سيكون من الناجع أن يُبنى خطاب ديني جديد أكثر عقلانية، بعيد عن التعصب، يحترم الآخر، ويؤمن بأهمية العمل تحت سقف القانون، ويرسخ السلم الأهلي، ويصلح العطب الذي أصاب الخطاب الديني طوال سنوات خلت، وهو إصلاحٌ من الضروري أن يقوم عليه أصحاب الخطاب أنفسهم، من داخل بنيته الفقهية والفكرية، بحكمة وجرأة وشفافية.

الانخراط في التغيير!

ليس المراد منح علماء الدين مكانة أكبر من سواهم، فهم بشرٌ يتساوون مع غيرهم من المواطنين في الحقوق والواجبات. وليس الهدفُ تصنيف الناس مذهبياً في مواقفهم من التطورات المتسارعة في المملكة العربية السعودية، ولا أخذ عينات وفق منظور مناطقي، إنما الغاية تكمنُ في الإشارة – بشكل واضح وصريح – إلى أن عملية الإصلاح التي رافعتها “رؤية المملكة 2030” أثرت حتى في خطاب عدد من علماء الدين السعوديين الشيعة، وأنهم ليسوا خارج نطاق التفاعل معها، ولذا من المهم أن يكثفوا جهودهم الوطنية، وأن يدفعوا الناس للانخراط في ورشة التحديث الكبرى، ويساهموا في الفصل بين حقلين: الهوية الوطنية السعودية الشاملة التي هي مشترك لمختلف المواطنين بطوائفهم وأعراقهم وقبائلهم المتعددة، والهوية الفرعية المذهبية الخاصة والتي هي محلُ تقدير واحترام ومحمية بـ”قوة القانون” ولا يستطيع أحدٌ فرضَ هويته الخاصة على أحد سواه، كما أشار لذلك الأمير محمد بن سلمان صراحة في حوار “ذا أتلانتيك”، قائلاً “لا يمكن لشخص الترويج لأحد هذه المذاهب ليجعلها الطريقة الوحيدة لرؤية الدين في السعودية، وربما حدث ذلك أحيانًا سابقًا؛ بسبب أحداث قلتها لكم من قبل، خصوصًا في عقدَي الثمانينات والتسعينات، ومن ثم في أوائل القرن الحادي والعشرين، لكن اليوم نحن نضعها على المسار الصحيح كما قلت من قبل”.

لقد أعطى حوار الأمير محمد بن سلمان، دفعة معنوية وفكرية كبيرة لعملية الإصلاح والتحديث، والمسؤولية ليست منوطة بالمؤسسات الحكومية وحدها، بل على مؤسسات المجتمع المدني، والفاعلين الثقافيين والدينيين مهامٌ عدة، عليهم النهوض بها، وإلا فإن التاريخ لن يكون فيه مكانٌ للكسالى والمتقاعسين!